باقى من الوقت

ماذا تريد من عدنان يا صحاب العقل التائه الحيران ؟!!

ماذا تريد من عدنان يا صحاب العقل التائه الحيران ؟!!

مدح الشيخ عدنان العلامة محيي الدين إبن عربي وروحه المكاشفة فسارعوا باتهامه بأنه صوفي .. 

مدح الشيخ عدنان فلسفة السيد الصدر فسعدوا بها من تهمة لرميه بالتشيع.. 

فضح الشيخ عدنان نفاق معاوية وقال بلا معصومية الصحابة فوصفوه بأنه شيعي وزنديق.. 

مدح الشيخ عدنان فلسفة أرسطو وسقراط وأفلاطون وأراء كبار الفلاسفة والعلماء الغربيين فاتهموه بأنه علماني .. 

إستند الشيخ إلى القرآن المدعم بحجج العقل والمنطق في رد بعض أحاديث البخاري ومسلم فاتهموه بأنه عقلاني.. 

رأى الشيخ صواب حكم أبي بكر في فدك فاتهمه الشيعة بأنه ناصبي..

لم يسفه الشيخ عدنان حجج الملاحدة واستعرضها بموضوعية لا تلغي الإنصاف فاتهموه بأنه ملحد.. 

ماذا تريد من عدنان يا صحاب العقل التائه الحيران ؟!! عدنان ليس مثلكم، عدنان ليس من جنسكم، هو باحث عن الحق، محكم للعقل، ناقد للتقليد، منقاد للدليل، عالم فذ شرب من كل العلوم، وجمع من خلاصة كل الفنون... هذا هو باختصار ما يمثله عدنان إبراهيم...

احمد زهير

إسلام بلا إسلاموية .. الإسلام والتاريخ

إسلام بلا إسلاموية .. الإسلام والتاريخ

كلما كانت الأمة ماضوية في وعيها العام : في قيمها ومبادئها ، في آمالها وطموحاتها ، في تصوراتها عن الذات وعن الآخر ...إلخ ؛ كان تفكيك التاريخ ضرورة معرفية وضرورة حياتية ، بحيث لايمكن وضع اللبنات الأولى للنهضة ( أيا كانت هويتها ، وأيا كان مجالها ) إلا بعد أن يُعادَ تفكيك ، ومن ثَمَّ ، تركيب التاريخ من جديد ( تركيبه على مستوى الوعي به ) ؛ لأن التاريخ ، في السياق الحضاري لأية أمة تعيش التاريخ ، وتعتاش على التاريخ ، هو عبء كبير ، وأشد ما فيه من عِبئيّة ، أنه لايمكن تجاوزه إلا من خلاله . وهذا لا يكون إلا بتحطيم صنمية التاريخ ، إبتداء من تحطيم التصور المُصنَّم الموهوم عن التاريخ كصيرورة ، وإنتهاء بتعرية وفضح وقائع وشخصيات ذلك التاريخ .

إن التقليديين الإنغلاقيين يريدونها معركة مواقف وإنتماءات وتحالفات ، لا معركة أفكارٍ وتصورات. يريدونها إلتفافا عقائديا دوغمائيا حول مواقف مبدئية ( مزعومة ) لايمكن التفكير فيها ؛ حتى يتمكنوا من تجييش الأتباع للصراع ؛ دون أن يتركوا لهؤلاء الأتباع فرصة التفكير فيما هو محل البحث.

إذن ، لا أحد يتجاهل التاريخ ، رغم كل الدعاوى المطالبة بتجاهل التاريخ . كلٌّ يريد توظيف التاريخ لمنطلقاته الإيديولوجية الخاصة ؛ حتى ولو كان هذا التوظيف سلوكا مُضمرا في صورة الصمت المُتعمّد عن التاريخ ، أو عن بعض التاريخ . ومن هنا ، كان الإلتفاف والتمركز حول بعض الشخصيات التاريخية ذات الأبعاد الرمزية ، والإحتراب عليها ، لا يعكس موقفا من التاريخ لذات التاريخ ، لذات الحقيقة فيه ؛ بقدرما يعكس موقفا من تحَدّيات الحاضر ، وإشتغالا على رهاناته ، والتي هي موضوع الصراع الحقيقي لذلك الإنسان الراهني ، المتواري خلف التاريخ ، والذي يبدو وكأنه يعتاش على التاريخ .

مثلا ، الدفاع عن الإستبداد والطغيان في التاريخ ، هو دفاع عن الإستبداد والطغيان في الحاضر . الجميع يعرف هذا ، ومع هذا لا يعترف به إلا القليل ، إذ كلٌّ يُدافِعُ عن منطلقاته في الماضي للوصول إلى أهدافه النفعية في الحاضر . ما يعني بالضرورة أن ساسة الفكر وساسة الحكم يضحكون - بتحالفٍ غير نزيه - على عقول جماهير التقليدية ؛ عندما يُزيّفون لهم التاريخ ؛ وفق ما تقتضيه مصلحة الظلم والطغيان .

يستحيل أن يُدافِع أيَّ أحدٍ ( وبأية صورة من صور الدفاع ) عن الإستبداد والطغيان والفساد والظلم والقهر في الماضي إلا من تتحكم فيه إرادة الظلم والإستبداد والطغيان في الحاضر . إنه وِراثة فِكرٍ وعقيدة ، كما هي وراثة حَالةٍ ، وتَوَجّهٍ ، وظُروفٍ ، وإستعدادات سيكيولوجية . وهذا ما أدركه - بعمق - الشيخ : عدنان ؛ فلم يقرأ طغيان الحاضر بوصفه ظاهرة إستثنائية طارئة ، أو نبتة شيطانية ، وإنما رجع إلى أعماق التاريخ ، إلى أعماق ذلك التاريخ المُحصّن ضد النقد ، رجع يبحث في أغواره عن مصدر هذا الإستبداد والطغيان .

عندما أقدم الدكتور : عدنان إبراهيم - مُجترئاً - على هذه الخطوة العلمية التصحيحية ، كان لابد أن يصطدم بأقدم وأكبر وأقدس أصنام الطغيان في تاريخنا المجيد . ومن وراء ذلك ، كان لابد أن يتصدى له سدنة خطاب الإستبداد والطغيان ، أن يتصدوا له بالطغيان ، بالطغيان عليه أولا ، وبالطغيان على الحقيقة ثانيا ، حتى ولو كان ما صَدَر منهم إلى الآن مُجرّد طغيان أقوال ، بعد أن عجزوا عجزَ واقع عن طغيان الأفعال .

يستحيل على أي باحث متجرد ( متجرد بدرجة الإنحياز الكامل للإنسان ) أن يتناول مسألة الإستبداد والطغيان الذي ساد وقاد التاريخ الإسلامي ( إلا في إستثناءات نادرة جِدّاً ) ؛ دون أن يبدأ بحثه من نقطة البداية ، أن يبدأ بتحليل شخصية ( أول طاغية ) أسس للقهر والطغيان واقعا وثقافة ، وقضى - بالقوة المادية / الواقعية ، والقوة الثقافية أيضا - على كل ما قدمته تلك الخطوات الأولى للرشد السياسي . أي يستحيل تفكيك سلوكيات التوحش والطغيان ؛ دون أن يقوم - على مستوى الوعي - بنقل مثل هذه الشخصية التاريخية من دائرة النموذج المُبجّل الذي يصنع أمثلته باستمرار ، إلى دائرة المحظور المُدان ، إلى دائرة المَوصُومِين بالوَحْشية والإجرام .

لكن ، ولأن نتائج البحث العلمي المتجرد كثيرا ما تأتي بما لا تشتهي سفن أهواء الواقع ، الواقع الذي ينتفع به سدنة هياكله ؛ فقد كان من الطبيعي أن يتم التصدي لها ( = النتائج اللامقبولة ، أو الحقائق المكروهة ) بكل الوسائل ؛ باستثناء وسائل العلم ؛ لأن العلم - في أعلى درجات موضوعيته - لا يخدم سدنة هياكل التقديس والتصنيم ، كما لا يخدم مشاريع الطغيان ؛ إلا بأن يُطَعّم بشيء غير قليل من خيانة أصل العلم بالتزييف والتدليس ، وأحيانا باختراع الأوهام .

عندما حَلّل الشيخ : عدنان ، شخصية الطغيان الأولى في تاريخنا القديم ، وكشف للجماهير - المخدوعة على مدى قرون - عن أشياء لم تدر لهم بخلد ؛ بدا وكأن بنيان التقليدية يتهاوى من أساسه ، بدا وكأنه يتحطم على رؤوس سدنته المنتفعين بدَجَلِه وخُزَعْبَلاته المَطلية بأوهام اليقين الديني . بدا الأمر وكأن تحطيم صنم واحد ، أو تعرية وَهْمٍ واحدٍ ، جَرَّ وَراءه إرتياباً غير محدود بالتقليدية والتقليديين ، إرتيابا تضخّم إلى درجة نزع الثقة عن كل مسارات النظام المعرفي السائد الذي قام عليه التقليد منذ بدايته الأولى ، أي منذ بدأ التقليد الأثري الإتباعي يَتَسيّد وَعْيَ الجماهير ، الجماهير البائسة التي كان يجري تطويعها وترويضها لحالة البؤس والشقاء ، وكأن الشقاء هو قَدَرُها الأبدي والوحيد ، بل وكأنه قدرها الأفضل في هذا الوجود !.

عندما نتصور الأمر على هذا النحو ، نستطيع أن نفهم سِرَّ هذه الغضبة المسعورة التي يقوم بها حَمَلة الثقافة الجماهيرية التقليدية الأثرية على الشيخ : عدنان ، إلى درجة أنهم جعلوه ( وهو العالم الرباني المتجرد ) شيطانَ ضلال لا شيخ هداية ، وداعية هدم لا مهندس بناء ؛ لأن الهدى والرشاد والإستقامة - كما في تصورهم - محصورة بهم ، مُتَحدّدة في إتباعهم في كل تفاصيل أهوائهم التي يشرعنونها قسرا ؛ ليصلوا من خلال ذلك إلى أن تنقاد لهم جماهير الأتباع في كل التفاصيل الدينية والحياتية ، فلا تتحرك الجماهير - بعد ذلك - أية حركة ، وفي أي إتجاه ، إلا على إيقاع هَمَساتهم وهَمْهَماتهم وإيماءاتهم ؛ دونما إعتراض ، أو إستشكال ، أو حتى سؤال .

ومما يجب التنبه له ( وله دلالته اللافتة في هذا السياق ) أن الذين يقفون وراء تلك الحملة الغوغائية المسعورة على الشيخ : عدنان ، هم من غلاة الخوارج الصرحاء ، أو من غلاة منظّري التكفير من قعدة الخوارج ، أو من غلاة مُروّجي مقولات الإرهاب السياسي .

والقلة القليلة منهم هم بعض السذج من دراويش التصوف العامي ، أي من أولئك المتعاطفين مع أسماء تاريخية درجوا على أن تطرق أسماعهم مقرونة بشيء غير قليل من التبجيل والتفخيم ، فلا يُطيقون - وهم الذين إمتهنوا ( التصنيم ) و( الثبات ) و( التّحَجّر ) و( تهميش العقل ) ، كما أنهم الذين مكثوا طويلا يقطعون الأيام والليالي مغتبطين بأجمل وأكذب الأوهام أن يتلاشى بعض هذا الوهم الجميل .

هنا جذر المشكلة وملتقى عِللها وأسبابها . إنهم غلاة التطرف الذين يُشكّلون النواة الصلبة للتيار التقليدي الأثري الإتباعي على إمتداد التاريخ ، وعلى إتساع الواقع الجغرافي . إنهم أولئك الذين أشعلوا الفتن والحروب والصراعات المذهبية أينما وُجدوا في القديم ، وهم الذين - في عصرنا - عشقوا حركة طالبان حدَّ الهُيام ، وهم الذين ناصروا الإرهابيين في العراق ، وخاصة ممن كان على شاكلة الزرقاوي وأتباعه ، وذلك تحت شعار دعم المقاومة ودحر الغزاة ، وهم الذين ذرفوا الدموع سِرّا وعلانية يوم تمَّ الإجهاز على الرمز الإرهابي الكبير : إبن لادن ، وأقام عليه بعض مُتهوّريهم صلاة الغائب علانية في وضح النهار.

طابع الخفاء يَسِم علائق الفكر ؛ فلا تظهر تلك العلائق إلا بعد تأمل طويل ومُتعمق . لهذا ، لابد من أخذ الحذر ، والنظر بعيون التوجس ؛ عند قراءة سلوكيات بعض المتعاطفين مع الإرهاب على المستوى الفكري خاصة ، إذ إن كثيرا من هؤلاء الذين يهاجمون الشيخ : عدنان ، لديهم ميل واضح إلى التزمت الخوارجي ، لديهم تطرف الخوارج ، وجهل الخوارج ، وعِناد الخوارج ، وحماقة الخوارج ، وعنف الخوارج ، بل هم خوارج صراحة ، وخاصة على مستوى الفكر ، إذ هم الذين ناصروا هؤلاء الإرهابيين بالصمت عنهم ؛ عندما كان المقام مقام كلام .

إن كثيرا من هؤلاء الذين يقمعون حرية الفكر ، ويهاجمون الشيخ : عدنان ، لم تسمع لهم كلمة حاسمة في أكبر حركة إرهابية ترعى الإرهاب ( = طالبان ) ، ولا في أكبر مجرم إرهابي (= إبن لادن ) ، ولا في أوقح وأرذل الإرهابيين سيرة (= الزرقاوي ) . فهم إما مؤيدون مناصرون للإرهاب صراحة ، وإما ناطقون بصمتهم ؛ عندما تصبح دلالة الصمت تأييدا حذرا ، تأييدا مُراوِغا يلعب بمَهَارة على سَيرك النفاق .

إن الشيخ : عدنان ، يطرح خطابَ إنفتاحٍ واسعَ الأبعاد ، قائماً على مساحات هائلة من التسامح الذي لا يستطيعه دعاة التقليد والتزمت والإنغلاق . ولهذا ، كان من الطبيعي أن يكون في نظرهم العدو الأول الذي يتهدد خطابهم ؛ لأنهم طائفيون عنصريون مذهبيون مُتعصبون ، صنعوا مكانتهم الإجتماعية ، ومجدهم الديني الموهوم ، من خلال إذكاء الصراعات المذهبية والطائفية ، وهم يدركون - في الوقت نفسه - أن أي خطاب منفتح - يسعى لتخفيف حدة هذه الصراعات بإخماد نارها من جذورها ، وليس من ثمارها فحسب - هو خطاب يتهددهم في وجودهم ؛ إذ لا وجود لهم - هوية وإعتبارا - إلا من حيث كونهم دعاة مُفاصلة وصراع وإحتراب .

إن أتباع المدرسة التقليدية المتطرفة يُدركون هذا الخطر الإنفتاحي المتسامح تمام الإدراك . لكن ، وبما أنهم لا يستطيعون أن يُبرّروا عداوتهم له بانفتاحه وإنغلاقهم ، بتسامحه وتعصبهم ، بجديته البحثية وفوضويتهم ، بإيجابيته الحياتية وسلبيتهم ؛ فقد إستخدموا الأدوات الفكرية التقليدية في تصفية الخصوم ، بكل ما في تلك الأدوات من تفسيق وتبديع وتضليل . أي أنهم يُحاوِلون أن ينقلوا المعركة من سياقها الحقيقي إلى سياق آخر ، إلى سياق يستطيعون من خلاله قلب مشاهد المعركة الفكرية ؛ لتكون مُواجهة دُعاةٍ مُحافظين ، صُلحاء ، أنقياء ، أتقياء ( كما يزعمون ! ) ، لمُفكّر مُتحرر ، لا يريد الحقيقة ( كما يزعمون ) ، مفكر لا يريد إلا نبش رُفات السابقين ، والإزراء المُتعمد بالغُرِّ المُحَجّلين .

إن التقليديين الإنغلاقيين يريدونها معركة مواقف وإنتماءات وتحالفات ، لا معركة أفكارٍ وتصورات . يريدونها إلتفافا عقائديا دوغمائيا حول مواقف مبدئية ( مزعومة ) لايمكن التفكير فيها ؛ حتى يتمكنوا من تجييش الأتباع للصراع ؛ دون أن يتركوا لهؤلاء الأتباع فرصة التفكير فيما هو محل البحث . فالتابع التقليدي كما يُراد له - هنا - هو تابع إمتثالي مُستلب إلى أقصى درجات الإمتثال والإستلاب ، بحيث لا يُطلب منه غير الإنصياع الفكري التام ، ثم أداء ما يقتضيه هذا الإنصياع الأعمى من تأييد علني ، سواء أكان ذلك بالتصفيق والهتاف والتصنيم لمقولات ورموز التيار التقليدي ، أم بالهجوم البذيء الأرعن ( = الشتائمي ) على المُخالف في كل وسائل الإعلام ، بوصف هذا الهجوم الأرعن وسيلة من وسائل الإرهاب.

بقلم الاستاذ المفكر محمد بن علي المحمود

المشروع العدناني.. ومقاومة الخطاب التقليدي

المشروع العدناني.. ومقاومة الخطاب التقليدي

 لا يخفى على جلّ متابعي الأحداث الراهنة، تحديدًا ما يجري داخل الأفق الديني، وما يتنازعه من دعوات التجديد، وإلحاحها المتزايد، حتّى إنها بلغت مبلغًا يعسر معه تجاهلها أو الإعراض عنها. فلسنا نبالغ إذا ما قلنا أنّ التهاون في شأن التجديد أو الإستهانة به، ما يكون إلا لكسلٍ أو عجز أو خوف، والعالم الربّاني الصادق يربأ عنها كلّها.

في هذا السياق تتجسّد أمامنا بوضوح قضيّة د.عدنان إبراهيم، الخطيب العلاّمة الذي شَرُفت بمتابعة خطبه ودروسه، فوجدت فيها خطابًا للعقل من العقل، قطعت به خطب الجمعة شوطًا بعيدًا عبر ربطه الديني بالتاريخي، وليس ذلك فحسب، بل إستحضاره لمقولات نفسيّة وإجتماعيّة وإغتنائه بالعلوم الطبيعيّة. فكانت خطبه ودروسه بحقّ تزهدك في متابعة غيره، فعندما يتوّجه إليك أحدهم بخطاب على مستوى عالٍ من التفكّر وتقليب الأمور، حقيقةً.. يصعب عليك -بعدئذٍ- أن تفرّط في تلك المنزلة، وتقنع بكلامٍ غالبه معاد مكرور.

ولن أزيد عمّا سبق في الثناء، وإن كنت أراني باخسة حقّ، ذلك أنّ د.عدنان إبراهيم قد شهد له من شهد، وليس في بضع كليمات أدبّجها ما يضيف إليه شيئًا -وإن يسيرًا-، كما أنّني لا أبتغي ممّا كتبت ثناءً وإطراءً، بل وقفة مع ردود فعل نشهدها منذ زمن قريب نسبيًّا، منذ إبتدأ الشيخ عثمان الخميس والداهوم وغيرهم بمناهضة المشروع العدناني، القائم على أساس راسخ ومتين.

من خلال متابعتي لردود الفعل تلك، وجدت أنّ المنكرين المناهضين لـ د.عدنان يقولون ويعيدون بأنّه يطعن في الصحابة، وصدقًا لم أقف على منكرٍ أخذ على د.عدنان غير ذلك مع أنّ له خطبًا ودروسًا كثيرة. وهنا قد يقول قائل: هل ترين الطعن في الصحابة أمرًا سهلاً يمكن تجاوزه؟!! وهذا السؤال وجّه كثيرًا لكلّ من أيّد د.عدنان، أو دافع عنه، بل حتّى من أُعجب بطرحه فقط!.

وبصدد سؤالٍ كهذا، يبدو مباشرًا ومحايدًا، بينما هو يحاصرك ويضيّق الخناق عليك، إن أجبت بلا، فإنّها تستتبع عند أولئك رفض د.عدنان وطرحه جملة وتفصيلا، ومقتضاه -كما يرون- أنّك لو دافعت عن د.عدنان وأيّدته فأنت تشاركه في طعن الصحابة!. ولا أخفيكم أنّ الإصرار على إشاعة هذه التهمة (الطعن في الصحابة) ومداولتها، يثير عندي تساؤلاً: لماذا؟!

إنّ المشروع العدناني يهدّد علنًا الخطاب الديني التقليدي، الذي ما زال يكرّس في معظمه التبعيّة والتسليم، وإن كنت لا أحبّذ التعميم، إلا أنّ قلة من الأسماء المعاصرة التي آمنت بصدق بمشروعيّة التجديد وأهميّته، قلت بصدق، لأنّ هناك من يدّعي التجديد، فيما تجديده لا يعدو واجهة شكليّة.

من هنا ولّد التهديد مقاومة، ولم تجد تلك المقاومة إلا ترديد: هذا الرافضي الذي يطعن في الصحابة. وهذه الشبهة تقف دون ذلك المشروع بما يريب الناس، فيرغبون عن د.عدنان خشية على دينهم، وقد يندفع بعضهم إلى الإنكار والمهاجمة، دون أن يستمعوا بأنفسهم إلى ما قاله د.عدنان، أو يستمعون إليه بحكم مسبق، فهم في حكم من لم يستمع!.

تعميم شبهة (الطعن في الصحابة) التي يدرك كلّ ما إستمع لـ د.عدنان زيفها وكذبها، وإختزال مشروع د.عدنان كلّه فيها مع أنّه أكبر منها، هو كلّ يستطيعه المناهضون الرافضون، وهو تشويه متعمّد يفتعله من لا يقدر على مواجهة خصمه، فيتّجه إلى نفيه وإثارة الشكوك حوله.

ويكفي أنّ نتأمل قليلاً في التركيب اللغوي لهذه التهمة (الطعن في الصحابة)، إختيرت كلمة (طعن) الموحية بخصومة ظالمة غاشمة، وجاء بعدها التعميم (في الصحابة) وهو إفتراء عظيم، ومن يستمع لـ د.عدنان يعلم أنّه ليس طعّانًا، وكلامه مقصور على بعض الصحابة لدليل ظهر له. فما بالك فيمن يقرن إليها (ذلك الرافضي)؟! فليته يعلم أنّما يعلن بها فقره، وتهافت فكره.

من يفقه المشروع العدناني يعلم أنّه عندما يعيد النظر في كثير من المسلّمات، إنّما يحوّل تراثنا وتاريخنا مادّة للإستكشاف بدل أن يستعمله سلاحًا أيدولوجيًّا. وإكتشاف التاريخ هو إعادة النظر في كثير من إشكالاته، لا سيما تلك الإشكالات التي ما تزال حاضرة في واقعنا ومجتمعاتنا المعاصرة. فهو منهج قبل أن يكون نتيجة، والأولى أن ننظر في المنهج ونناقشه لا أن نقف عند أحد النتائج، وتعميمها بطريقة أبعد ما تكون عن الإنصاف والعدل.

ومن يفقه المشروع العدناني يعلم أنّه لا يشيّد تابعين، على غرار المشروع التقليدي، فأن تعجب بطرح د.عدنان وتوافقه في منهجه، لا يستلزم منك أبدًا أن تكون موافقًا له في كلّ صغيرة وكبيرة، فهو دعوة مفتوحة لإعادة قراءة التاريخ والنصوص القرآنيّة والنبويّة. 

وحريّ بهذا المشروع أن يكون فرصة واعدة بنشر ثقافة الإختلاف والفكر الناقد، والسعي لسدّ الشقاق عبر المحاورة والمحاججة، لأنّ عصرنا بانفتاحه مؤذن بمستجدات عديدة، يستوجب علينا إحتواءها لكلي نسيطر عليها، والإحتواء يتطلب مرونة عالية لا تصلّبًا وتحجّرًا!.

لست أدعو الجميع أن يوافقوا د.عدنان، أو يقفوا في صفّه، بل أدعو إلى الإستماع إليه، بنيّة صافية، تسدّد وتقارب، أدعو إلى العدل، النظر فيما قاله ونقده، لا قذفه بالسباب والتصنيف، فكلّ يؤخذ من قوله ويرد - كما قال ابن مسعود رضي الله عنه -.

اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا إتّباعه.

بقلم خالدة بنت أحمد باجنيد

الشيخ عدنان إبراهيم صوت ربعي بن عامر الجديد

الشيخ عدنان إبراهيم صوت ربعي بن عامر الجديد

كتب المستشار عبد الجواد ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام : العقل الفقهي السلفي بين النص و التاريخ" يقول :(لقد فعلت السلطة كثيرا في التاريخ. و فعل التاريخ كثيرا في العقل. و بشكل مباشر، وغير مباشر صار العقل المسلم أسيرا للفعلين كليهما، لفعل السلطة في التاريخ أي " لتاريخ السلطة " و لفعل التاريخ في العقل أي " لسلطة التاريخ " فأما تاريخ السلطة فقد أورث هذا العقل خضوعا شبه كلي" للحكومة " بالمعنى المطلق، و أما سلطة التاريخ فقد أورثته خضوعا شبه كلي للماضي بالمعنى المطلق كذلك).

و يؤكد الأستاذ الدكتور محمد بن المختار الشنقيطي في كتابه "الخلافات السياسية بين الصحابة : رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ ". على ما يلي :(لقد نشأ الفقه السياسي الإسلامي متكيفا مع واقع القهر والإستبداد الذي خلّفته حرب "صفين" ولم يقتصر هذا التكيف على تفسير التاريخ السياسي الإسلامي، بل تجاوزها إلى النظرية السياسية الإسلامية، و هو ما يجعل المهمة اليوم عسيرة ولا بد للدارس للفقه السياسي والتاريخ الإسلامي من الإنتباه لهذه الظاهرة والإجتهاد في البحث والتنقيب لبناء صورة دقيقة لما حدث في صدر الإسلام من فتن وخلافات سياسية لا تزال تلقي بظلالها على الأمة حتى اليوم، فالبحث في هذا المجال أقرب إلى عمل علماء الأثار الذين يدرسون أطلالا دراسة عبثت بها أيدي الزمان.

ومما يزيد في عسرالمهمة الخلط الضمني بين الوحي والتاريخ في المرجعية، وهو أمر سائد في الفكر الإسلامي اليوم جراء نقص في الوعي بالتاريخ لا يميز صورته وعبرته)، ثم يضيف: (إن الإنفعال السائد في الدفاع عن السلف قد أهدرقدسية المبادئ حرصا على مكانة الأشخاص واستحال ردا للغلو بغلو مع تعميم وتهويل يساوي بين عثمان وكاتبه مروان، وبين عمار وقاتله أبي الغادية) ويزيد الأمر وضوحا: (لكن كشف فضائح المستبدين المعاصرين غير ممكن ما دام الحديث عن الإنحرافات السياسية التي بدأت في عصر الصحابة مطبوع بطابع التبريروالدفاع لا بطابع الدراسة المجردة الهادفة إلى الإعتبار، وما دام الحديث عن تلك الفتن والخلافات السياسية يتحكم فيه فقط فقه التحفظ لا فقه التقويم، ذلك أن من طبيعة المبدأ الأخلاقي العموم والأطراد، فليس من الممكن تحريم الظلم السياسي على الخلف وإباحته للسلف دون الوقوع في تناقض فكري وأخلاقي). 

وبنفس التشريح المنهجي والفهم الألمعي تزيدنا إسهامات الشيخ الدكتورحسن بن فرحان المالكي تدقيقا، فيقول في كتابه "الصحبة والصحابة": (وكانت السياسية تلعب أيضا الدورالأكبر في توسيع الفجوة بين علماء المسلمين وعوامهم ولم يكن الساسة يشتهون الفرقة بين المسلمين لمجرد الإفساد بينهم، ولكن كانت لهم مصالح في تأييد هذه الجماعة أو تلك ومنها إظهار الحاكم نفسه بمظهر الحريص على سلامة العقيدة والحامي لها من الطوائف الأخرى، فلذلك شكل مغفلو الصالحين والعوام الساعد الأيمن لكل سلطة تستغل هذه القضية على مر التاريخ....وقضية الصحابة من القضايا المستثمرة في تصفية الخصوم أوكبتهم أو التضييق عليهم أو التشكيك في عقائدهم وتنفير الناس عنهم ومن علمهم دون النظر إلى حججهم وأدلتهم).

ف(التاريخ الإسلامي مبتلى ببعض العلماء الذين يجازفون بإصدار الأحكام المستعجلة حول الأحداث والمواقف والشخصيات والنتائج متناسين الطريقية الصحيحة والمثلى في البحث عن الحقيقة، ذلك البحث الذي يحترم العلم، ويلتزم النقل الصحيح، ويحترم العقل، ولايهمل الإستيفاء في جمع شتات المادة العلمية من مختلف المصادر، ثم يتبع ذلك بتصنيف هذه المادة من حيث القبول أو الرد...) يوجه الشيخ المالكي في كتابه "نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي".

مع كل ما سبق يأتينا صوت الشيخ عدنان إبراهيم بشكل إجرائي ونحن وسط محميات الفكر النمطي التي أقامتها السلطة "والإكليروس" المحسوب عليها ليخاطب فينا مفارقات تصوراتنا، وتناقضات ما إنطوت عليه أفهامنا ورفعناه إلى رتبة المسلمات على الرغم مما تثيره في داخلنا من قلق وحرج بحكم تعارضها مع أساسيات الشرع والمعلوم منه بالفهم البسيط، لكننا كنا نمنع أنفسنا حتى من مجرد التفكيرفيها تحرجا من الشرود عن حياض الشريعة، والتولي عن سبيل المؤمنين، فجاءنا صوت الشيخ عدنان ابراهيم ليخرجنا من الخضوع لأقوال الرجال إلى الخضوع لأقوال رب الرجال، ومن ضيق الفهم ونمطيته إلى سعة التدبر ورحابة التفكر، ومن فعل التاريخ "المؤدلج" فينا إلى الفعل والحركة المتحررين إلا من توجيهات الشرع وهديه، إنه صوت لا يتنكر للأصيل ولكنه يرجع البصر فيه كرات ليكشف دعائمه وركائزه، ويزيل عنه تفطراته وسقماته.

إن أهمية الشيخ عدنان بسعة علمه، وغزارة منهله، واندياح تفننه في علوم شتى مع القدر الكبير على الجمع والترتيب والتأليف والتنسيق والربط في سلك محبوك، وعقد مسبوك، أنه يعيد إلينا حاسة الفكروالتدبر، ويرجع إلينا ذواتنا التي سلبت، فأسلمنا قيادنا إلى غيرنا، يقول إبن الجوزي: (إعلم أن المقلد ليس على يقين فيما قلد، لأن في التقليد إبطالا لمنفعة العقل وهو خلق للتدبروالتأمل، وقبيح لمن أعطي شمعة أن يطفئها ويمشي في الظلمة)، إنه أي الشيخ عدنان يداوينا من داء "الإغتراب الزماني" حيث نحيى حاضرنا بأجسادنا وأزيائنا ولكن بأفهام من سبقونا، إنه صوت ربعي بن عامر من جديد حينما تستمع إليه وهو يحيلك بغزارة إلى المصادر والمراجع تستنتج أنه لا يجعل من نفسه ما إنتقد فيه غيره، إنه لا يفكر لنا، وإنما يدعونا إلى أن نفكر معه.



بقلم الاستاذ الداعية نبيل صبحي 

عن المدون

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة