باقى من الوقت

الشيخ عدنان إبراهيم… الموسوعي الحر

الشيخ عدنان إبراهيم… الموسوعي الحر

"كل شيء في سيلان دائم… ولا تستطيع أن تنزل في نفس النهر مرتين "… على ضوء مقولة هرقليطس نقول "أنت لا تستمع إلى عدنان إبراهيم مرتين"، لأنـه في سيلان دائم. وإقتباسا من الرسام هنري ماتيس الذي قال "عندما أريد أن آكل الطماطم لا أهتم بشكلها، لكن عندما أريد أن أرسمها أتأملها وأنظر إليها طويلا". هكذا قد يحصل مع الذي يقبل على الإستماع إلى الشيخ عدنان إبراهيم.

هذا الفلسطيني، الذي تنقل بين دروب العلم من بلد إلى بلد، واستقر به المقام في العاصمة النمساوية فيينا. بقي، رغم بعده عن الوطن العربي، في دماءه وفي لغته الفصيحة أصالة وتواضع، جعله من أسود الدعوة إلى معرفة الله في العالم .

الكل قد يُعرِّف الدكتور عدنان إبراهيم على حسب نظرته ومن زاويته، لكن الشيء الوحيد المستخلص أن الشيخ لا يصلح معه التعريف "الويكيبيدي". فالشيخ أو الدكتور أو العلامة أو… تعددت فيه الأسماء و في المسمى تفرق الواحد.

سقراط .. ميكانيكا الكم.. سارتر.. إبن عربي.. نيتشه.. ماركس.. المنطق.. الروايات العالمية وغيرها… معاني غريبة وسابقة تـُعرض إستشهادا مفصلا في جل خطبه ومحاضراته على منبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

ويجعلك الإستماع إليه أن تتساءل ما معنى أن تعرف الله من خلال الملحد؟ أو أن تعرف الله من عند عالم النفس والفيلسوف والمؤرخ ومن الماضي والحاضر والمستقبل البعيد ؟ أليس غريبا أن يتجول بنا عالِـم، في هذا الزمان، من بداية الكون إلى نهايته ؟! كيف نعيش البداية والنهاية في نفس الآن؟! ما الذي يجعلنا لا نفكر في إمكانية حدوث هذه الأشياء إنطلاقا من بنيتها القابلة للتشكل والفناء ؟ هل فعلا نفكر بعقولنا أم بعقل تاريخنا ؟ كيف هو شعور الإنسان عندما تـُحطم أمامه أصنام المفاهيم التي تربى بين أحضانها ودفأته بين ذراعيها ؟ كيف الفطام ؟…

قد تطول الأسئلة ونغفل عن صاحبنا وشيخنا.. لكن طرح الأسئلة يعني بحثنا عن الحقيقة.


الأكاديمية… فكر كيف تفكر

نشكو في مجتمعاتنا العربية من ضعف القراءة والإنفاق عليها بشكل هزيل جدا. والعربي إذا ما قرأ، في أمة "إقرأ"، فإن خطأه الوراثي أنه يقدس ويعظم الذي يقرأ عنهم ولا يعظم فعل القراءة. وخطأه هذا قد يكون منهجيا وتكوينيا في عملية التدريس التي تلقاها، بالإضافة إلى عدة أسباب ذاتية وشخصية (خاصة بكل مجتمع).

وإذا كان المشكل يكمن خارج فعل القراءة أو يبقى محصورا بين ثنايا الفعل فإنه في حد ذاته عائق لعملية الإبداع التي هي نتاج لممارسة فعل القراءة بكثرة، والذي هو سر تقدم الحضارات. بيد أن هذا يحيل بشكل بدهي إلى التساؤل عن موقع عملية التفكير، هل هي فعل قبل القراءة أم بينها وبين الإبداع؟ أم أن التفكير يأتي بشكل عرضي في نهاية الطريق؟ أم لا ضرورة لموقعه ؟…

يأتي هنا الدكتور ويقف ليعيد قلب هذه العمليات رأسا على عقب، ويضيء شمعته. فعندما تختار، ولو بشكل إعتباطي، أيًا من خطبه أو محاضراته المطولة تكتشف أنه يلزمك الإستعداد لعالم جديد ليس كالذي ألفته. يقول لك ضمنيا أنه يلزمك كنس ترسبات ما تعلمته أو ما عُـلـِّمته من تاريخ وفقه وتفسير ومذاهب وشخصيات وفلسفات وعلوم… واكتشف أن لك حرية التفكير تساعدك لتركيب عقل جديد يصلح لأن تسافر به كل الأزمنة وتطرح عليها أسئلتك الخاصة بنفسك… وهذا بطبيعة الحال إنه يجعلك تفكر في كيفية تفكيرك. 

يقول في أحد خطبه "إذا كنت تحب، فهل ستقول لشخص ما "حب عني".. لينوب عنك في حبك!! أم أن الحب هو خاصتك ؟… فكذلك عملية التفكير.. لا تدع أحدا ينوب عنك". 

هذا أول درس تتعلمه من أكاديمية الدكتور عدنان إبراهيم قبل أن تلج عالمه. وإن لم تتعلم كيف تفكر، فعلى الأقل فإنه يكون أعطاك معنى للتفكير.


يشغلك عن الكتابة بالكتابة

أما إذا فرغت من الإستماع إليه وقررت أن تكتب عنه أو إليه أو من خلاله.. فقد تغرق في يمك ويغـُرَّك موجه فتقول: كيف أكتب عن شخصية لا يشتعل رأسه شيبا..؟!! لكن حين تجول في فكر بعض الكتاب سترى أن الشيب عار على بعضهم وليس وقار.

لا أريد بين يدي هذه السطور أن أسرد قصصه وإنجازاته التي حققها وهو في صباه (ألف كتبا فكرية وهو في الرابعة عشرة من عمره) ونبوغه في الفكر والعلم، من معرفته المبكرة باينشتاين وماركس و توينبي وأفلاطون … إلى أبي حامد الغزالي والرومي وسبويه… إلى معرفته الدقيقة بالفكر الإسلامي بفروعه وأصوله… لكن أبتغي أن أتساءل عما تساءل عنه الدكتور عبد الوهاب المسيري، رحمه الله، عن إمكانية "إجتماع كل المعارف في هذا العصر في رجل واحد، وعن زمن العالِم الموسوعي!!! لكن ما إن عرف المسيري الشيخ عدنان حتى زال عنه الإستغراب، فالرجل (عدنان) يحوي في بيته مكتبة كبيرة في كل المجالات والمعارف. ويعكف بإدمان على قراءة الكتب (ما يقارب الكتاب في الساعة). كما أن ذاكرته تساعده على الحفظ، تصل إلى إستحضار أحاديث وأقوال من كتب قرأها من ربع قرن.

إضافة إلى ملكة الحفظ التي يتميز بها الدكتور عدنان إبراهيم، فإن له قدرة على التحليل والتفسير والإستنباط والإجتهاد، في أكثر المسائل الشرعية والكونية والمقولات الفلسفية حساسية. وهي ضرورة لزومية يفتقر إليها أغلب المفكرين الإسلاميين، وبعيدة كل البعد عن الدعاة التقليديين.

يجعل هذا كل مستمع إليه إلى أن يتحول إلى مستمع- مدمن، ثم إلى مستمع- مدون، إلى أن يغدو تلميذا بين محاضراته ينتظر إمتحانا لينتقل إلى القسم الذي يليه، وبالتالي تتحرك فيه ملكة الكتابة والقراءة. وما أكثر الذين قالوا: "يكفينا هذا الشيخ معلما ومرجعا" !!.

نختم بالفيلسوف الألماني هيدجر الذي قال أن "اللغة تعجز عن الإحاطة بالفكر". لنقول في هذا السياق، أن الكلام قليل ولا تقدر اللغة (الكتابة في هذا المقام)، أن توافق الفكر الذي تعلم الكثير من هذا الشيخ. ولأن جريان النهر الذي ذكرناه سابقا، لا يزال في هذه اللحظة في سيلان مستمر، فما أجمل النزول إليه مرة ومرات…

بقلم غسان الكشوري

إلى الداهوم.. أي خدمة تسديها لمشروع عدنان؟

إلى الداهوم.. أي خدمة تسديها لمشروع عدنان؟

لعل من أبرز المتصدّين لدعوة الدكتور عدنان إبراهيم التنويرية، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، هو الشيخ الكويتي الفتي محمد الداهوم متـّعنا الله بطول بقائه المفيد. وأقول فتي ليس لأنه في الثلاثينات من عمره فـ "قد يوجد الحلم في الشبان والشيب" كما يقول المتنبي رحمه الله، إنما أقصد بهذه الصفة الطراوة وعدم النضج.

ولأني أكبر الداهوم بنحو عقدين، أجد لزاما علي أن أنفعه بكلمتين كما أراد هو نفعي بسلسلة ردوده على الدكتور عدنان إبراهيم الذي يتوسط عُمرَينا تقريبا.

وأقول للشيخ الكويتي، ممحضا النصح مخلصا، إنك إن شئت حقا أن تتصدى لتيار عدنان الجارف أن تبادر "الآن الآن وليس غدا" إلى إيقاف هذه السلسلة من الردود لأنك "كناطح صخرة يوما ليوهنها …" ولا أريد أن أمضي في بيت الأعشى الخالد إلى نهايته تجنبا للإساءة التي ليست من ديدني.

ولو أنك إستبنت "النصح قبل ضحى الغد" لأسديت فضلا كبيرا لنفسك وللمذهب الذي نشأت عليه وسلمته مقادير أمورك "من هام إلى قدم". لست أدري بالضبط "ولا المنجم يدري" ملامح من يقف وراء مشروعك العقيم هذا، لكن إنْ كان الواقف وراءه مؤسسة دينية كلفتك بهذه المهمة المستحيلة أو فلنقل الشاقة، فمن حقها عليك شرعا وعرفا أن تصارحها بوصول المشروع إلى الطريق المسدودة التي لم تعد تفضي إلى النتيجة المرتجاة منها.

وسأذهب إلى أبعد من ذلك فأقول إن عنبكم هذا تجمعه سلال غيركم وهذا ما لا أظنكم تبتغون. هل أجريت مسحا -ولو عابرا - لمئات الشباب الذين لم يكونوا يعرفون بالشيخ عدنان، فأوصلتم إليهم أفكاره دون عناء؟ بالضبط كما فعل إخوتنا السعوديون مع الشيخ حسن المالكي … وهاهم المئات الذين إبتدأوا مشروعهم منصتين بخشوع لردودكم بدأوا يمخرون العباب إلى الضفة الأخرى التي لا تريدون. وهل تتصور اِضرارا بتياركم الفكري أسوأ من هذا الإضرار.

أقولها لك بصراحة الرفيق الشفيق إنك لو جمعت علمك إلى جانب علم الشيخ عثمان الخميس وضاعفت ذلك أضعافا مضاعفة لما تمكنتم من مجاراة أضعف محاضرة من محاضرات الدكتور عدنان. ليس لأنكم ينقصكم الإخلاص والاندفاع، أبدا، فإني لا أشك بإخلاصكم وإندفاعكم طرفة عين، مصيبتكم تكمن في عاملَين ضن الله بهما عليكم، من حيث أغدقهما على عدنان، وأعني بهما قدرة ساحرة على التعبير وخزين معرفي هائل يتدفق لدعم تلك الملَكة.

فهل لكما حظ في ذلك أو في جزء من ذلك؟ أنتما أعرف بالجواب. ولكي لا أجانب الحقيقة أجد لزاما علي أن أذكر شبها أو شِبهَ شبهٍ بينكما، وهو أنك تُبدي حرصا فائقا على أناقتك فتعدّل يشماغك بين الحين والأخر، فيما يراقب عدنان حركة الزمن من خلال ساعته اليدوية مذعورا من ضيق الوقت لأن ما في صدره يضيق به الزمن المحدد له.

وفيما عدا ذلك فإن الفرق بين ما يقول وتقولون ويرى وترون فاحش للغاية، وهو العلامة الفارقة بين مدرستين واحدة تريد أن تخاطب عقولا واعية نشأت وترعرعت في زمن الآيباد والآيبود، وأخرى تفترض أن هذه العقول ما زالت تـُسيّر بريموت التضليل والتنطع والتحدث بـ " إبن عم الكلام ". أقول شتان ما بين مدرستين في الخطاب، فأنت - يا شيخنا الجليل - وبطانتك لا تعدون كونكم موظفين يُملى عليكم فتقولون، وتكلفون فتؤدون لصالح مؤسسات تجلس على براميل نفط الشعوب، أما الآخر فهو متحرر بالكامل من هذا القفص الكهنوتي البهيم، وهو يقول ما يعتقده حاجة ملحة لتوعية أبناء جيله وأبناء أبناء جيله، ولا يخدش في نزاهته أبدا أنْ أثرتم وتثيرون حوله الشبهات، وإن كان لديكم ما يعزز تهمكم الجاهزة فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، ولا أراكم فاعلين.

أما أن توزع التهم ذات اليمين وذات الشمال فهو عملية يقدر عليها في زماننا هذا أدنى عاجز لا يولي ضميره الإنساني أدنى حرمة. تريدون أن تقنعوا جمهورا "مفتحا باللبن" بأن الدكتور عدنان يترحم على جميع أئمة الشيعة من الأولين والآخرين، وإنه يتهم جميع رموز أهل السنة والجماعة من الأولين والآخرين. وتريدون من هذا الجمهور الذي ظننتموه مغفلا أن يصدق أقوالكم التي لا تستند إلى حجة ولا تقوم على دليل. وتأتي ثالثة الأثافي لتثبتوا للملأ من قومكم أن الدكتور عدنان أثبت ضلاله المبين عندما زل لسانه وقال إنه ينتظر خروج المهدي.

وظهرتم وكأنكم مسكتموه بالجرم المشهود بكشفه حقيقة كان يتستر عليها بممارسة التقية الشيعية. ففي أي ضلال أنتم تعمهون !!! أخي الكريم … دينكم بقضه وقضيضه خطفه التطرف القمىء الذي حوّلَ المُسلمَ المسالمَ في نظر العالم إلى مجرد قنبلة مفخخة تمشي على قدمين بانتظار من يفجرها وسط الأبرياء، فيما أنتم جندتم وتجندون كل ما أوتيتم من طاقات لخوض معركة خاسرة سلفا في مواجهة دعوة شخص تعلمون علم اليقين بأنه يؤمن بأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.

إنني - ومعي شريحة عريضة من المسلمين - لا أفهم سر هذا التهالك المقيت على الدفاع عن شخصيات قبحت وجه التاريخ الاسلامي وأورثتنا كل هذه القساوة والعنف، وبدلا عن أن تبادروا - أنتم سدنة الدين - لسحل هذه الشخصيات المشوهة إلى محكمة التاريخ وإعلان البراءة منها لإظهار الوجه الحقيقي للإسلام المحمدي الأصيل، راح واحدكم يرعد ويزبد ويبسمل ألفا ويحوقل ألفا لإثبات براءة عصابة دخلت الإسلام وهي تبيّتُ من يومها الأول مهمة الإيقاع بأشرف رسالة سماوية.

هل تعلم - يا أخي في الله أبا فوزي - أن ردودكم هذه على الدكتور عدنان جعلت المتابعين يستحضرون - وهم يتابعون هذا المناظرات - معسكرَ الإمام علي عليه السلام بكل ما فيه من صدق وفضيلة، ومعسكر المنافق معاوية بن أبي سفيان بكل ما فيه من مكر ورذيلة. وأنت أعرف مني من منكما يمثل في نظر المتابعين معسكرَ عليّ وأهل بيته، ومن منكما يمثل معسكرَ معاوية وجلاوزته.

هل تعلم أن الطلب على قراءة المصادر التي يذكر أسماءها الدكتور عدنان في ردوده على شبهاتكم تضاعف بشكل درامي؟ هل تعلم أن البحث في حقيقة الأشخاص الذين يذكرهم الدكتور عدنان في ردوده عليكم سجل أرقاما قياسية؟

هل تعلم كم مقدسا زائفا إنهار في "شبهات وردود" ؟ فأي منقلب أركستم أنفسكم فيه؟ وأي بوابات للجحيم فتحتم على أنفسكم مصاريعها؟ أتمنى عليك ومن إنضم إلى شلتك -إن كنت حريصا على ما ومَن تدافع عنه - أن تضع اليوم حدا لهذه الملهاة التي أظهرت تخلفكم عن الركب باشواط بعيدة.

باختصار شديد، لستَ ولستم كفؤا لهذا الرجل، فادعو شركاءكم لعل فيهم رجلا رشيدا يكون كفؤاً لعدنان، فهو فرد وأنتم مجموع. أدعوك - مخلصا - أن تبادر على الفور إلى تقديم الإعتذار عن وجبة التجهيل المتعمد التي قدمتموها لجمهور تظنونه رهطا من الإمعات وتتعاملون معه بمنطق القرون الوسطى وهو مولود في زمن "ستيف جوبز" أنزل الله على قبره شآبيب رحمته.

ولا أخفيك أن الفرق فاحش جدا في الموقفين، فأنت تجلس وخلفك رفوف من الكتب المرصوفة بدقة والتي لا يبدو أن يدا كريمة مسّتها منذ حين، فيما يجلس الآخر وأمامه أمهات كتب الفقه والتاريخ والحديث الشريف التي أفترض أنها مقبولة لديك، وقد عُبئت بالقصاصات والملاحظات والهوامش. وشتان، بين من أعطى ظهره لمكتبة، وآخر يتعامل مع مصادر المعرفة كما يتعامل مع أولاده تحننا منه ورأفة.

باختصار هذا هو الفرق بين عصبة سارت على "وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون"، وباحث متمرد على ما أسميتموه خطوطا حمراء، لم يعد يغريه سيرة منبوذ لـمّعته أروقة الدولة الأموية ومؤرخوها ووعاظ السلاطين. وليس قولكم "صعلوك" هذا بضائره، لأنكم قبل هذا وصفتموه بالنكرة ثم كشفتم للناس أحاديث أرشيفية تعكس مدى إهتمامكم بما قال ويقول.

فكيف لنكرة أن يحظى بكل هذا الإهتمام؟ أما حديث الصعلوك الذي لا أخذه على محمل الجد كثيرا، فيذكرني برئيس وزراء بلد شرق أوسطي كبير أمضى نحو عقد ونصف رئيسا لحكومة بلاده، عندما بلغه أن رجل دين مغمورا يسعى الى إطاحة نظام بلده الملكي العريق، رد بزهو طاووس: "نحن لا نتعامل مع صعاليك "، ثم إنتقل بعدها إلى مزبلة التاريخ وجثته ممزقة برصاص العدل، وهو المصير الذي لا أتمناه حتى لأعدائي. 

ختاما، أخي أبا فوزي … أفهم أنك في مقتبل العمر وأفترض أن الكثير من الفرص ما زالت أمامك لإجراء عملية جرد عميق لأفكارك الدايناصورية، لكنني - وأقولها بمرارة - أن الدهر لا يؤتمن على شيء والحداثة في العمر ليست ضمانة أبدا للبقاء على قيد الحياة لدقيقة بل حتى لثانية أخرى.

لا أريد أن أكون كناقل التمر إلى هجر فاجلدك - وأنت الخطيب المفوه  - بخطبة عصماء كما تفعل مع جمهورك الكريم، لكنني أنطلق من "إنما الدين النصيحة " فأقول إن فرصك في الحياة مساوية لفرص أي شيخ طاعن في السن، كل جارحة وجانحة منه تشكو من علة، فـ " كَمْ مِنْ عليلٍ قد تخطّاه الردى … فنجا وماتَ طبيبُه والعُوّدُ ".

فاغتنمْ هذه الفرصة التي لا أحد يستطيع أن يحزر مدى طولها، لتعلن أمام الملأ ولاءك للحق، للحق فقط. ولا تغرينك أسماء ظننتها كبيرة، فهي لن تغنيك شيئا يوم الفزع الأكبر يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين، الذين لا أريدك لك أن تكون في صفهم يومئذ.

مقال للكاتب حميد آل جوبير

أضعت عمري سدى

أضعت عمري سدى


إستغرب مني بعض الإخوة الكرام في غزة عندما أجبت عن سؤال عن الدكتور عدنان إبراهيم بقولي: إنني أشعر عندما أستمع للدكتور عدنان أنني ضيعت عمري سدى، وكتب بعضهم لي بأن الدكتور عدنان قطرة في بحر علمي، أستغفر الله، وأرسل لي بعض كلام الشيخ عدنان مما أخذ عليه، فلزم التنويه.

فأقول وبالله التوفيق: إنني عرفت من العلماء الكثيرين، فلم أجد كالشيخ عدنان علما ولا فهما ولا سعة إطلاع، ولو كان الأمر لي لأمرت بتكريم الشيخ، بل لمَ أفعل ذلك وقد كرمته الأمة فعلا، فها هي الحشود تستمع لكلامه، وتستفيد من عميق علمه، وصائب نظرته.

ولا يعني ما قدمت أنني أوافقه في جميع ما يذهب إليه، ولا هو يريد ذلك، لا مني ولا من أحد من محبيه ومن يستمعون إليه.

جزى الله الدكتور عدنان خير الجزاء عن هذه الأمة المرحومة، وبارك الله فيه وفي علمه.

الدكتور أكرم حمدان

في الحديث عن ظاهرة المفكر "عدنان ابراهيم"

في الحديث عن ظاهرة المفكر "عدنان ابراهيم"


لا ندري لماذا ما زلنا نتخبط في تعريفنا لـ"الآخر" ، ونتخبط في عدم مقدرتنا على صياغة "فقه جديد" يرتكز بشكل كبير جداً على "الحرية" و "الإجتهاد" ، فطريقة "الفكر" و "الإستنباط" هي طرائق تختلف من شخص لآخر وعليه فإن كل شخص عليه أن يحترم كيف "يفكر" الآخر وكيف ينظر للأمور، ولكن للأسف الشديد فإننا كل يوم "نقتل" الحرية و "الإجتهاد" في النفوس ونفرض "إرهاباً" متعدد الألوان على كل من يتجرأ و "ينقض" القديم أو بعضاً منه ونفرض خطوطاً حمراء لا يجب تجاوزها أو المساس بها، والحق أن هذا كله تكلف "إرهابي" على العقل والمنطق الإسلامي، فحرية "الإجتهاد" مفتوحة على أوسع أبوابها بدون خطوط أو قيود من باب "من أصاب فله أجرين، ومن أخطأ فله أجر واحد".


الهزة التي أحدثها الدكتور المفكر عدنان إبراهيم في صفوف التيار الإسلامي عنيفة جداً، ذلك أنه حاول أن يعيد "للعقل" مكانته الطبيعية بجوار النص، وأن يعيد النظر في الكثير من الأحداث التاريخية التي شكلت "الوعي" الإسلامي لقرون من الزمن، وأن يسلط الضوء على كثير من التناقضات التي إعترت الفكر الإسلامي وكبلته ووقفت عائقاً أمام مسيرة التجديد والتطوير .


ولا أدري ما هي "المآخذ" التي يأخذها أعداء هذا المفكر عليه ، سواء من حيث الطرح أو من حيث المنهج، فالملامح الأساسية لمشروعه هي ملامح "المنهج الإسلامي" حقيقة، وهي الأسس التي يجب أن يرتكز عليها أي تصور إسلامي عقلاني وصحيح للحياة ولمشكلاتها، ومن أهم الخطوط العريضة للمشروع التجديدي الذي يطرحه الدكتور عدنان هي :


  1. ضرورة إعادة النظر في بعض "المواقف" و "الصفحات" في تاريخنا الإسلامي وإلقاء الضوء عليها وخاصة أنها أثرت على الوعي الإسلامي وعلى "الفقه السياسي الشرعي" منذ أكثر من ألف عام.
  2. ضرورة النظر أيضاً في الموروث الثقافي والشرعي وتمييز الصحيح من السقيم منه وخاصة فيما يتعلق بدائرة "الحديث الشريف"، ذلك أن بعض الأحاديث يكتنفها الغموض وتتعارض إما مع أسس العقل أو مع "التصور الإسلامي" العام للحياة.
  3. ضرورة "التعايش" بين طوائف المسلمين المختلفة، والنظر بشكل آخر لهذه الطوائف بعيداً عن "حزازيات" الطائفية، دون منع "النقد" و "المحاججة" و "المحاورة" وفق أسس صحيحة وسلمية.
  4. التركيز على مبدأ "الحرية" في كل المجالات الحياتية، وإعادة "الإعتبار" إليه، بعد قرون من التشويه والإستبداد.
  5. حل الكثير من مشكلات الحضارة الإنسانية كـ"الإلحاد" و "الإستبداد" و "والتخلف" و "الجهل" من وجهة نظر إسلامية عقلانية متماسكة جداً.



فأين هي "المآخذ" و "البدع" التي تكتنف تصور هذا الشخص ؟ وأين هي "الأفكار" التي أدت لإخراج هذا الرجل من الملة وفق تصورات بعض "الفقهاء" و "الكهنة" ؟


هل الموقف مثلاً من معاوية بن أبي سفيان يصلح كدليل على "نفاق" و "كفر" و "بدعية" الشخص ؟ وهل الدعوة لتجديد النظر في بعض الأحاديث أيضاً دلالة على شيء ما ؟ وهل من الممكن أن يحدد لنا أي شخص ما هي الأشياء التي تقبل الإجتهاد وتلك التي لا تقبل الإجتهاد ؟ 


إن الموقف "السلبي" من عدنان إبراهيم تشكل بشكل واضح من جزئية واحدة وهي موقفه من معاوية وبعض رفاق دربه، دون النظر لباقي "الإيجابيات" ومعالم التصور الصحيح الذي يصاحب منهجه، وهذا يعني شيئاً واحداً وهو أن هناك بعض المدارس الإسلامية تنظر للفرع لا للأصل وتمارس إرهاباً جماعياً على المفكرين والمجتهدين، وتشن حملات صاخبة لتكفيرهم وتبديعهم وتفسيقهم بحجج واهية وأحياناً بالخلط والتدليس وهذا تمثل في إتهام عدنان إبراهيم بأنه يقول "بتحريف القرآن" و "كفر عائشة" و أنه يطعن في البخاري ويمدح ياسر الحبيب، وهذا الأمر ليس غريباً على هذه المدرسة والتي سبق وأن كفرت الشيخ أحمد ديدات وإتهمته بأنه "قادياني" وقبل ذلك تم تكفير شيخ الإسلام بن تيمية وتفسيق الإمام ابن حزم وإتهم إمام الفقهاء أبو حنيفة بالإلحاد، فالحقيقة أن مصير "المصلحين" و "المجددين" في التاريخ الإسلامي مؤلم ويدعوا للحزن كثيراً، صحيح أن من سنن التاريخ أن يواجه المصلحين والأنبياء بردات فعل عنيفة جداً من المجتمعات التي يعيشون فيها، ولكن الأمر يجب أن يكون مختلفاً لدينا نحن المسلمين، ذلك أن الإسلام وضع تصورات مبدأية تضمن حرية الإجتهاد لكل من وصل وحقق الكفاية من العلم الشرعي، ولكن يبدوا أن "منابع" الإسلام الحقة قد تختلط بأدران "التصورات" البشرية الخاطئة كثيراً.


ولذلك -ورغم أني أختلف مع الشيخ عدنان ولي بعض الإنتقادات عليه-  فأنا أفتخر بظاهرة عدنان إبراهيم كثيراً، وأشعر بأنها "حلقة" من حلقات التجديد الحضاري وضرورة من ضروراته، وأنه يصلح كنموذج قوي للشباب في مجال "التفقه" و "التفلسف" الحقيقي، بعيداً عن النموذج التقليدي لنماذج العلماء والتي يقتصر علمها عادة على العلم الشرعي وحده دون النظر والتوسع في بقية العلوم الفلسفية والفكرية والثقافية الأخرى، والتي من شأنها أن تزيد من تفاعل "العقل" مع "النص" فتتولد عمليات متجددة من التجديد والتصورات الإسلامية لكافة المشكلات المتجددة.

عن المدون

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة